محمد بن أحمد التميمي المقدسي

120

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

ثم قال : « والأمراض العامية قد تحدث من جميع هذه الأسباب إلا أن أكثرها حدوثا إنما يكون من أجل الهواء المحيط بالأبدان ، وذلك أن المرض العام على أهل مدينة معا ، أو على أهل / بلد من طعام عام ، ليس هو مما يتفق كثيرا ، وكذلك أيضا لا يكاد يكون المرض العام من شراب عام ، ولا من تعب عام مفرط . فأما الهواء المحيط بالأبدان فإنه متى أفرطت فيه الحرارة أو البرودة أو اليبس أو الرطوبة فإنه يكدر ويفسد ، فيفسد اعتدال أمزجة الأبدان التي هي عماد الصحة ، فأما الأسباب الأخر فإنها ليست تستولي على جميع الناس كاستيلاء الهواء على أبدانهم ولا هي مما يدوم ملاقاة الأبدان لها ليلا ونهارا ، فأما الهواء فإنه وحده دون سائر تلك يحيط بجميع الأبدان دائما ، ولسنا ننفكّ من اجتذابه بالاستنشاق في حال التنفس ، فليس يمكن إذا تغير مزاجه أن تخلو الأبدان من التغير لأجل تغيره » . قال محمد : ولم تزل أرض الشام في قديم الأيام إلى آخر ملك بني مروان مطروقة بحدوث الطواعين في كل عام ، وبخاصّ أرض دمشق والأردن وفلسطين وأعمالها ومدن السواحل التي تليها ، حتى إن ملوكهم ورؤساءهم كانوا لأجل ذلك يهربون من قصورهم ومساكنهم إلى البراري المنكشفة المتنائية عن الأمصار المسكونة ، كبرّيّة الحجاز التي بين وادي القرى وبين يثرب ومكة ، وبرّيّة السماوة ، وما يلي تدمر وسامية ، فيبتنون القصور المشيدة والحصون المنيعة ، فكان يخرجون في أوقات فساد الهواء وحدوث الطاعون إليها فيسكنونها مدة أوقات ذلك الفساد إلى أن تزول الأعراض المفسدة لأهوية بلدانهم ، ويصلح